أبي عبد الله الزنجاني

12

تاريخ القرآن

أصبحت الخلافة نفسها مسألة تاريخية بحتة ، وليس للمسلمين خليفة فعلي يضم كلمتهم ، ويجمع شتاتهم ، وأصبح كل الخلاف خلافا في التاريخ ، وخلافا في الاجتهاد ، ولولا ألاعيب السياسة واستغفال الماكرين لعقول العامة ، واحتفاظ أرباب الشهوات والمطامع بجاههم وسلطانهم ، لانمحى الخلاف بين الشيعي والسنّي ، ولأصبحوا بنعمة اللّه إخوانا ، ولتعاونوا على جلب المصالح ودرء المفاسد لجميعهم ، ولنظر بعضهم إلى بعض كما ينظر حنفي إلى مالكي ، ومالكي إلى شافعي . وأظن أن الوقت قد حان لأن يفكر عقلاء الطائفتين في سبيل الوئام ، ويعملوا على إحياء عوامل الألفة وإماتة الخصام ، ويتركوا للعلماء البحث حرا في التاريخ ، ويتلقوا النتائج بصدر رحب ، كما يتلقون النتائج في أيّ بحث علمي وتاريخي ، وتبعة هذا الخلاف تقع على رؤساء الطائفتين ، ففي يدهم تقليله وفناؤه ، كما في يدهم إشعاله وإنماؤه . ففرصة سعيدة أراها أن يؤلف الكتاب شيعي ، ويقدمه للقراء سنّي ، ولعلها بادرة حسنة من بوادر السير للوئام ، والدعوة إلى السلام ، والعمل لخير المسلمين من غير نظر إلى فرقة أو مذهب ، وهو ما يتطلبه ويوجبه موقف المسلمين الحاضر . وثانيها : أنه كان من حسن التوفيق أن عرفت الأستاذ أبا عبد اللّه الزنجاني حين زيارته مصر سنة 1935 ، فتوثقت بيننا الصلة ، وتأكدت الصداقة على قرب العهد بالتعارف ، وقصر زمن اللقاء ، ولكن قرب الأرواح يفعل ما لا يفعله تراخي الزمن وطول العهد ، وصدق الحديث : « الأرواح جنود مجنّدة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » وقد رأيته واسع الاطلاع ، عميق التفكير ، غزير العلم بالفلسفة الإسلامية ومناحيها وأطوارها ، على صفاء في نفسه ، وسماحة في خلقه ، مما حبّبه إليّ ، وحبّب لي أن أقدّم كتابه لقرائه . وثالثها : موضوع الكتاب أو الرسالة وهو تاريخ القرآن من حيث